الثلاثاء، 5 يوليو 2011

بَائعةُ السُكَرِ





بين أعمدةِ الفلسفةِ و نوايا الفراقِ ، لا زلتُ أتذكرُ جيداً كم احتضنتُ قلبها في صَدري ، كانتْ صديقتي الغَالية سارة ..

في جبينها تزرعُ أُغنيات ناعمة ، ينْفضها العَندليب ، و يلتقطُ نضجَ التفاحةِ فيها ، و يحفرُ قناديلَ الحبِ ، و يوزعُ رائحة البنفسج و يتركُ لصوتِ حفيفها الصَدى ، و يدعمها بِالإرباكِ .

لا ينتزعُ من ذاكرتي ذَلك الشَهر الذي التقيتُ فيهِ بسارة

كنا مع بعضنا في الكليةِ نَفسها ، لكن كلاً منا كان في قسمٍ مُخْتَلفٍ ، كان الأمرُ صعباً عليّ في البداية حيثُ تركتُ عائلتي الجَوهرية لكنني نسيتُ هذا بقربِ سارة ، كان قربها يُزكي رائحةََ الحياةِ و غناءَ الورد بِروحي .

بنزهةٍ ما خُرافية تبدلَ كل شيء

كان عليّ أن أقبلَ الدُخول إلى كوخِ بائعةِ السكرِ – طبعاً كان أقلَ من ذلك فشكله الخارجي يشبهُ إسطبلاتِ الخيلِ التي لم تنظفْ منذُ أعوامٍ و أعوام .

.

كانتْ تبيعُ السُكر و كَأنهُ شيءٌ مُقدَسٌ .

منهُ تصنعُ التماثيل ، و كل هذا بدا كَالسِحرِ ، سارة قُتلتْ من ذلك و دهشتْ و انبهرتْ ، أما أنا فدخلَ الشكُ حوافَ كمَنجتي فَسرتُ ذلك في بدايةِ الأمرِ بكرهي للسكر – أحبُ المِلح .

لكن يثير المكانُ رقصةَ اهْتمامي ؛ لأنني أخذتٌ أحللُ نظرات بائعةِ السكرِ المَعْتوهة ، كانَ بيْتها مليئاً بشوائبِ السكرِ

،

سكرٌ و سكرٌ و سكر ، و حتى وجهها كانتْ تلمع فيه بَعض الحَبات !

كانَ يبدو عليها خَبيثة تضعُ سماً في كلِ نظرةٍ للبشرِ ، بها تخدشُ روحهم و تعانق نقطة الشيطانِ لدى الناسِ بالقلبِ ،

وقفتُ في محطةِ شرودٍ كان فيها وجهها ، كانَ خبيثاَ ، مجعداً ، مليئاً بالحثالةِ ، و كأنها أعدمَتََْ للتو العديد منَ الأبرياءِ !

يداها سُكَرِيتان ، و أزرار بشرتِها تصعقُ السَكينةَ .

ثم بدتْ لي كأفضلِ ممثِلة حينما بدأتْ سارة تسألها بعض الأسئلةِ ، لا أتذكرها جيداً سوى أنها لا تتعلقْ إلا بحياتِها الشخصيةِ ، تحدثوا عن أشياءَ تافهةَ بالنسبةِ لي .

لم يَنقص لبائعةِ السكرِ أنْ تَقول لسارة : " كم عدداً من ملاعقِ الصلصةِ تضَعين للمَعكرونةِ "

قلقتُ منْ اندماجِ سارة معها ، و من تلكَ النظراتِ الدراميةِ التي كانتْ ترتديها بائعةُ السكرِ .

كانتْ منقوعةَ في أقذَرِ الحفرِ ، و مدفونٌ بِداخلها تعويذاتِ القُبور الشَاقة ، كانتْ نظرات مُغَطية بِسقفٍ مُشوش .

خرجتُ من تَخَيلاتي ..

و صرختْ : " هل ستموتين هنا يا سارة ، لقد مللتُ ؟ "

بِنفسِ شدةِ الصوتِ أجابتْ عليّ : " إنني أتحثُ مع البائعة ، لماذا أنتِ غاضبة ؟ "

صحتْ : " و لماذا أنتِ مُندمجة ؟ "

غضبتْ سارة و أعطتْ المرأة النُقود و أخذََتْ ما أكره و خَرجنا ، هدأْتُ من عصبيتي و سألتُها :

" لماذا تحدثتِ مَعها تبدو شريرةً ، بل غبية ، إنها مجْنونة ، و بالطبعِ انْجَذبتِ بِالحَديثِ معَها "

قالتْ بحزمٍ و غضبٍ " لا تقولي عَنها شيئاً كهذا ، أفهمتِ ؟ ، ليسَتْ مُشكِلتي إذا كنتِ تفهمينَ الناسَ خَطأ "

قررتُ الصمتَ ؛ لأنني غضبتُ مما قالتهُ و من طريقةِ الدفاعِ عن تلك المَرأة .

ما لمْ أكنْ أعرِفهُ و عَرفتهُ بمَحضِ المُصَادفةِ هوَ أن سارة كانتْ تذهبُ إلى هُناك كلَ يَوم ، لمْ أُبالي بالأمرِ كثيراً خِشْيةَ موتَ صداقةٍ مُحْتَمَل .

كَان هُناك رمزُ تيهٍ مُهمش في المدينةِ بالشَائِعاتِ يقولُ :

" كلَ منْ أكلَ من سكرِ تلك البائعةِ ماتَ و تحولَ إلى سكر "

خفتُ منْ هَذا الكَلام و لولا إيمَانِي زَالَ الخَوفُ ، و لكنني قَرَرتُ التحدثَ معْ سارة حَولَ موضوعِ تلكَ المرأة في ليلةٍ ما ، و جاءَتْ هَذهِ الليلةِ ، كانَ الظلامُ يشقُ روحهُ و يغلقُ دربَ النَازحينَ إليهِ ، و كانَ في السماءِ نجماً قرْمزياً أشارَ لي حَدسي بأنهُ سَيُنزل لعنةَ أحدٍ عَلينا ، جاءَتْ سارة شاحبةً ، جَبينها كانَ قَدْ فَقَدَ كلَ مُمَيزاتهِ ، و كانَ خَلفَهَا ظلاً ليسَ لجَسَدِها ، يشعرُ بصداعِ الأبَديةِ ، و في زقاقِ وجهها تُرسمُ دَمعةً باكيةً ..

سَألتُها بِلَهفةٍ : " ما بكِ ؟ "

أجابَتْ : " سَأموتُ على يدِ بائعةِ السكرِ ، أُمِي "

صُعِقْتُ ، نفضتُ سوادَ الرؤيةِ عن عَيني و رددتُ بخوفٍ و بضَعفٍ لمْ أشْعُرْ بهما منْ قَبْل :

" هل تُصَدقينَ السحرةَ ؟! ، و هل قلتِ أمكِ ؟ ، أَجَل بصوتٍ لمْ أسمَعْ فيهِ كهذهِ الرَعشةَ منْ قَبْل :

" كانتْ أمِي و كنا عَائلةًَ ، و كانَ لنا بيتاً دافِئاً رغمَ كل شيءٍ مرٌ مذاقهُ شربناهُ سوياً ، قلةَ مالَ أبي ، و مرضَ أخِي - رحمةُ اللهِ عَليه – و موته ، بقينا نحنُ الثَلاثة ، و عُمِرَ البيتَ بضَحِكاتٍ مُلونةٍ ، كانَ الربيعُ يَنزفُ مُفرداتِ الأرضِ الدَافئةِ علينا ، و في يومٍ ما جاءَ وقتُ المحرقةَ القَلبيةَ بِداخلي ، دخلَ قَريتنا بعضَ المُحتلونَ و لكنَ مخططهمْ فشل ، و لكنَ من سُوء حظي البيتَ الوَحيد الذي دخلوهُ كانَ بيتنا ، كنا نرتشفُ الشايَ معاً ، دُقَ البابُ بشدةٍ ، كانَ أبي يحب السكرَ كثيراً فقالَ لأمي : " ضَعي ثلاثةََ مَلاعق من السكرِ لحين أرى مَنْ الطَارق " ، لكنَ أبي لم يعدْ ليغازلَ الشاي و يتغنى بهِ و يقولَ لي و هو يرتشفهُ : " أنتِ أغلى شيءٍ يا قرةَ عَيني في دنْياي أُحبُ في خصلاتِ شَعركِ معزوفةَ النَاي " ، ذَهَبَتْ أُمي لترى ما الأمَر ، رَأَتهُ ميتاً على بابِ بيتنا ، ماتتْ بقَلبِها و خُدِشَتْ روحها ، جُنَتْ بعدَ ذلك ، و بِعْتُ أنا البيت ، و أصبحَ هَمها هوَ أَن يَأكلَ جميعهم السكرَ قبلَ موتهمْ ، كي تُرضي أبي – حسبَ ظنِها - ، و عندما جئتُ إلى هُنا رَأيتها ، كنتُ أودُ أن أعيدها إلى صَوابها لكن لمْ أنجحْ هيَ لم تتذكرني ، صَدقيني شعرتُ بكلِ شيءٍ جميلٍ معكِ لكنني كنتُ أحتاجُ إلى أم ، إلى أب ، إلى أخ ، إلى بيتٍ و حتى إلى سكر ! ، و إلى نَفسي المتشَردةِ بينَ المَكانِ و المَكانِ ، و ها أنا ذا سأموتُ و سأتحولُ إلى سكرٍ . "

أَمْطَرتْ عيناي دُمُوعاً مُعَذَبَة و قٌلْتُ :

" أنتِ أَعزُ صَدِيقَةٍ بِالنسبةِ لي ، و مِنَ المُفْتَرضِ أن أكونَ أنا لكِ كذلك ، لماذا لمْ تُخبريني بِهذا من قَبْل ؟ "

صًرختْ : " كانَ لاُمي صديقةً غاليةً على قلبِها كَمَا أنتِ لي ، لكنها لمْ تحاولَ أن تساعدَ أمي للعودةِ إلى الرشدِ ، بل ساعَدتها على الجُنُونِ ، أعْطَتها طرقَ صنعِ تماثيلِ السكرِ ، فأصْبَحتْ اُمي بائعةَ السكر ، بل بالأحرَى قَاتِلة "

و فَجأةً تحركَ الظلُ الذي كانَ خلفها و بَدَأَتْ روحُ سارة بالذَهَابِ إلى السماءِ ، لَقَطُتها بين ذراعيّ بكلِ لطفٍ و دُموعي غَمرَتْ المكانَ . رددَتْ سارة : " لن أتحولَ إلى سكرٍ فأنا سأموتُ بين يديّ صديقتي التي أُحبها ، لن أتحولَ إلى سكرٍ فأنا سأموتُ بين يديّ صديقتي التي أُحبها ، لن أتحولَ إلى سكرٍ فأنا سأموتُ بين يديّ صديقتي التي أُحبها "

و ذَهبتْ الروحُ المُقَدسةُ إلى رَبِها .. ماتت سارة صرختُ بِأعلى صوت : " سارة ... سارة .. سارة " ، و تدرجَ ارتفاعُ الصَوتِ و اندثرَ باندثارِ القمرِ ليلةَ بَدْرِهِ ..

دُفِنَتْ في بيتِ صداقتنا ، ودعْتُها بحبٍ تعمُ رائِحَتُهُ حَصى دَفاتِرَ أشْعَاري ، و صلاةِ صداقةِ العُمرِ ، و ذَهَبتُ إلى بائعةِ السكرِ و أنا أحْمِلُ قدماي خشيةَ الوقوعِ ، و عندما رأتني ضَحِكَتْ كالشَيطان قائلةً قَبْلَ أن أتكَلم : " هل صدقتِ قصةَ موتِ الناسِ بالسكرِ أيتها الحَمقاء ، كل ما أَرَدتهُ هو نشرُ إشاعةٍ بِذلك و قِطعةُ سمٍ في السكرِ الذي أكلتهُ سارة عِندي ، ههه حتى لا يُصَدِقَكِ الناسُ يا غَبية "

قلتُ لها : " و مَا الذي استفدتيه مِن قَتلِ زحفِ الربيعِ يا عَديمة الرَحمَةِ "

قالتْ بكلِ ثقةٍ و حُزن : " سَعادةُ سارة "

ضحكتُ حزناً : " سعادةُ سارة ! ، لا بد مِن أنكِ مجنونة ! "

قالتْ : " لقد كانتْ الأغلى لأبيها في هذهِ الدُنيا ، لَقد أسْعَدتهُمَا مَعاً لَقد بَعَثتُ لهُ سارة "

بَصَقتُ عليها بِنَظرةٍ تَملؤها القاذورات و قلت : " سارة و أباها سيذهبانِ إلى النعيمِ أما أنتِ فاذهبِ إلى الجحيمِ "

ثم أدرتُ ظهري و مَشَيتُ خطوتين ثم قُلتُ : " هل تعْرِفين ؟ "

أجابتْ بنفسِ الثقةِ و الغرور و كَأنَ شيئاً ما لم يكن قَدْ أَثَرَ فيها : " لا ، ههه و لكن تَهمَني المعرفة "

قلتُ بكلِ قهرٍ : " لستُ من قلةٍ يا لعينةَ أكره السكرَ " .

الاثنين، 20 يونيو 2011

نكهات في جوف القزحية



ترزأ من روحي فن الدعابة ، بحبل غسيلٍ من دار جارنا اللاموجود ،

و تنسكبُ الأحلامُ في الطريق بين البيتين ، خرجنا أنا و هو نجمع القطرات و نتعارك مع بعضنا في متاهة الهواء ،

في إحدى الاستراحات امتنعت عن الكحل الجميل ، و بقيت عيناي صافيتان دون مساحيق ..

و عند آخر قطرة التقت الأعين ..

نظرت إلى ذلك الوجه الذي لم أراه من قبل ، أصبح يتحول إلى أنا !

كانت القزحية تحتوي العديد من النكهات في جوفها .

الأحد، 12 يونيو 2011

شعب الدراويش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخذنا بتعكير الهذيان أمام البؤبؤ الملعون في قناع الليلة !

لا ندري لما نرتدي التوت الأرضي في أفراحنا ، و كأنه يضيف لنا ملحاً على وجهنا المرتعش لابتعادنا عن اللوم

نضيف إلى النثر ألحاناً ثائرة و نموت تائهين في الفراغ .

كالطرب كانت أصبوحة بائعي العنبر ، بل كسلالة قرمزية .

العناء البارد ليس كالزيتون بل كاللوز هرس كل مقاييس الذاكرة القلبية .

أصبحت هذه السمراء الشرقية كالعدوى تحت عنوان :

" شعب الدراويش " .

السبت، 5 مارس 2011

مطر ثائر على غيمته !





في ليلةٍ من ليالي كانون ، جلست أنا و العجوز قرب المدفأة ، و أخذنا نأكل الحلوى

كانت موسيقانا في تلك الليلةِ هو : " تناغم زخات المطر مع صوت اشتعال النار "

اقتربنا أكثر من الآمال و كل الدفء ..

و ألقينا نظرة على أحضان الأمِ ، و ازدادت " اللوعة "

دمعة السطح أكلت روعة التفاح الأخضر ، و الحلوى تحولت إلى لا شيء !

و مريمية الشاي الدافئ أخذت بالذوبان

جميلٌ ما نقدر بهِ أنفسنا

أرجوكَ أيها الجفاف لا تعانق الزعفران ، و لا تدع الأفعى تلدغ ثنايا الورقِ عند تفتح الربيع !

فقد حرم الطفل من الغطاء ، و نام في العراء بلا أمٍ دافئة !

و هناكَ شيئاً من العشق تدحرج أمام طرقات الزخرفة ، و لقطه الالتواء الأعمى أمام اللوحة

سبب العطاء الأرجواني هو انعكاس اللون الأبيض ، لكل شيء أصل و للوطن جذور ..

سيمفونية الغذاء أعددنا أنفسنا لعزفها أسابيع ، و جلا لنا القدر بسيقان ملونة ..

طويت الورقة هنا , و انطفأت شعلة المدفأةِ ..

سألني العجوز : " أين وصلتي ؟ "

قلت له : " لا أعلم ، فالعبرة بسكون القلم بأنه غاب أصل العاطفة ، و الحنين أصبحَ عدوانياً لومضة ، و الشعلة أصبحت منارة للأوغاد ، و المجد قد ذهب من هنا ، و لا وطن يذكر ، و لا جمعة أحباب تشفي لوعة القلب الذي حرق من غيابهم ، فقد تركوه كالأقاح الذابل ، و دفنوا بقايا منعمة بالحب بداخلي ، و رسموا ضحكتهم و وعدوا نفسي باللقاء ، لم تخبرني أيها العجوز أين أنت قد وصلت ؟ "

قال : " إلى حيث مزرعتي ، قمحي ، حصادي ، و سمائي ، و مائي ، لا يهم فالمهم هو بقاء الأمل في القلوب ، ربما لسنا الأكثر سعادة ، لكننا الأكثر جرأة في تحدي ثغرات سلال البرتقال ، هل تودين شرب الشاي ؟ "

قلت له : " لماذا قطعت تلك الكلمات ؟ ، سأشرب الشاي البارحة ! "

في أعماقي كنت متيقنة من أنني سأدخل في حربٍ كلامية ، كنت أود أن يكمل حديثه عن سلال البرتقال ،

لكنني استغربت حينما وضع أمامي كوب شاي غير ممتلئ تماماً و قال :

" أرى أنكِ لم تنتهي بعد من شرب الشاي منذ البارحة ، هل أنتِ كالسلحفاة في شرب الشاي ؟ "

فهمت قصده .. سأنتظر لحين يأتي الموعد لكنني ثائرة !


الأربعاء، 2 فبراير 2011

ابْنَةُ الشَحَاذِ




على خشبةِ المسرحْ

كانَت الستائرُ تُسدَلُ بِبطءٍ شَديدْ

و أَنا وَراءَها عازِفةُ البيانو المشهورة

كانت سيمفونيةُ " كلاسيكيةُ الألحانْ "

هي ما عَزْفتُهُ في حفلةِ رأسِ السنةِ تلك ...

خرَجتُ منَ المسرح

هنا كانت الأضواءُ تلتقطُ لي صُوراً

باقاتُ الورودِ تُقدَّم لي كشلالٍ من العذوبة

و طلباتُ توقيعٍ غَمَرتني

راضيتُ جُمْهوري بابتساماتٍ و تنفيذِ طلباتٍ و اسْتنشاقِ رحيقِ الأزهارِ و تَقبُّل الهدايا

ثم نظرتُ إلى الساعةِ وَجَدتها ما زالت السابعة

فقررت المشي بما أن ميعادَ سهرةِ الأصدقاءِ الساعةَ العاشرة

مشيتُ مسافةً قَصيرة

حتى رأيتُ شحاذاً يجلسُ على رصيفِ الطريق

ابتسمتُ في وجهه و أعطيته قليلاً من المالِ و وردةً

لإدخالِ فرحةِ السنةِ الجديدة على روحِهِ المعطرةِ بصعوبةِ الحياة

...

صفعني بنظرةٍ مَهدت لي التفرس بدقةٍ في ملامحه المرسومة كبرودة الجو ....

مشيت ببطءٍ شديد

و نظرت إلى أضواءِ المدينة

وإلى ثلوجِها

و إلى أروقتِها المنحوتة

و إلى زواياها المقطوفة

وإلى تراكيبِ احتفالِها

و ادخارِ تاريخها

و ذاكرةِ خيطانها

حتى لاحظت بأن الشحاذَ ما زال يمشي ورائي

فتهت في رعشتي ، و تمتمت صلواتي خوفاً

يا تُرى ماذا يريد ؟

لماذا يمشي ورائي ؟

حينها حوافُ جسدي ملأتها قشعريرة ملعونة

قررتُ الجريَ

لكنه لحقني يجري

...

تعمقتُ في جنوني لعلي أجدُ شاطئاً أو جزيرةً عتيقةً أُرْسي قَواعدي عليها ...

تَعَثرتْ قَدماي

وتمزقَ الحذاءُ فخَلَعتْهُ وَهَرَبَت

واختبأتُ في الزاوية

دُهِشْتُ حينما رأيتُ وقتها الشحاذَ بفرحةِ العيدِ يأخذُ حذائي ويمشي .. به وكأنه حلوى العيد

من فضولي مشيتُ وراءه

حتى وصلَ إلى كوخٍ قديم زينتهُ ضحكاتُه الحزينة الذي من المرض والجوع قد أكل نفسه

تابعت المراقبة

ولحقتهُ إلى السلَم

قبلَ إكمالِ الجاسوسيةِ كان عليّ تقويمُ قدماي مِن رجفةٍ لا أعلمُ إن كانت من البردِ أو من صاعقةِ الإنسانية

دخل إلى شقتِهِ..

" استخدمتُ شقهً مُبالغةً "

على أيةِ حالٍ ، تسللتُ وراءه من غيرِ درايةٍ منه

حينها وضعَ الحذاءَ وجَلسَ أمامَ موقدِ الحطبِ

شعرتُ بالطمأنينةِ لأنني تأكدتُّ من أنه ضعيفٌ

وحينها سألتُه منفجرةً بالفضولِ ...

" من أنت ؟.ولماذا عبثتَ معي ؟ "

ولماذا سرقتَ حذائي ؟

فأجاباني كقبيلةِ ديدانِ القزِ المكومةِ في عُشبةٍ :

" أنتَ عليكَ أن تعزفي البيانو وأن تفرحي بالسنةِ الجديدةِ وأنا علي أن أُقهرَ بسبب ضياعِ حذاءِ ابنتي ويا ليت القصة كلها بالحذاء ..

فأنت تعطرين الليل بموسيقاك وشعرك وعيناك وعزفك وحبك للبشر .. "

صرخت في وجهه برقة طاغية:

" أجُننتَ يا هذا ؟ "

لَمْ يبالي بكلمتي تلك وتابع حديثَه :

" أنت تشبهين ابنتي كثيراً التي تعاني من مرضٍ مزمن لكنني على ثقةٍ بأنها ستُعافى .

كانت مثلك عازفةَ بيانو وفي مثلِ هذهِ الليلةِ كانت تعزفُ في حفلةِ رأسِ السنةِ كنت انتظرُها لتحضيرِ المائدة لِنلتقطَ بالعامِ الجديد معاً

لكنها عادَتْ مريضةً رَجِعَت بكلِ ما ذَهبتْ بِهِ عدا حذائها وها هي بالغرفةِ منذُ خمسِ سنواتٍ ومنذ تِلكَ المدة وأنا أحاول كل ليلة كهذه أن أخلعك حذائك حتى أعطيه لابنتي كي تعافى "

سألته فورا : " ما هذا المرض؟وهل حاولتَ علاجه ؟ "

قال لي : " أنه مرضٌ مزمنٌ لا اعرفُ ما هو، أحضرتُ لها العديدَ من الأطباءِ لكنهم قالوا لي ، تعالج أنتَ حينها ستُعَالجُ هيَ

لكن جاري الذي توفيّ السنةَ الماضيةَ أعطيته كلَّ مالي حتى يُخبرني على سرٍ قالَ لي يجعلُها على قيدِ الحياةِ فوَضَعَ عليها مادةً ما "

حينها صَمَتْ ، فذهبتُ لكي أرى ابنتَه هذهِ

وهُنا شَعرتُ بِمَدى جُنونِ قَلبِ الشحاذِ الرقيقِ ذي الجدران المرهفةِ والأغطيةِ المُرَقعةِ والسذاجةِ المتوهجة ،

إنه حتماً يعيشُ في مسرحيةٍ ما

يظن أنّ ابنتَه مريضة و هي في الحقيقة ميتة محنطة!

تشبهُ الموناليزا في عنايةِ وصفِها ولوحاتِ بيكاسو في جودتها

وراقصاتُ الباليه في رشاقتها

تراجعت وأخذت من الشحاذ الحذاء، و ألبستها إياه

تحسست قدماها وأنا البسها كانتا كلوحِ زجاجٍ مزخرفْ

جلس أباها وقبلها وهمس في أذنها : بقي أن ترجعي لي

قلت له : لا تزعجها ! هيا لنخرجَ من الغرفة .

دعاني لكي اجلسَ لنحتفل بالعام الجديد معاً

فقَبِلت .

تحدثنا كثيراً

اقتبسُ أهم نقطةٍ من الحديث:

الشحاذ: زوريني .

أنا: سأزورك كل رأس سنة ، وأنصحك بأن تتعالج أو افعل ما تشاء والآن إلى اللقاء.

وها أنا الآن عائدة إلى منزلي وكل ما أفكر فيه هو " أن الحياة لم تبقي لنا شيئاً سوى أشعار البؤس الممزقة ..

لكنها مصرة على إن تبقي عنوانها علو جمال القدر" .